حيدر حب الله
263
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
هذه الدعوة ، فمن قال : أنا مسلم فكأنّه يعادي مجتمعه ويعاديه مجتمعه ، والعكس صحيح . إنّ الكفر في هذا السياق ليس موقفاً عقديّاً فقط ، بل هو موقف سياسي أيضاً من الجماعة الجديدة ؛ لأنّ قواعد الحروب والانتماءات كانت تقوم على الدين والعقيدة في تلك الفترة وغيرها ، على عكس حال الثقافة الغربية اليوم في بعض المواقع . فاليوم ، وبسبب نمط التفكير الغربي العلماني الحديث ، تمّ تخفيف حضور الدين في الحياة السياسية والاجتماعيّة ، ولم يعد يمثّل هويّة الفرد ، بل صارت هويّة الفرد تتمثّل في وطنه ( الجغرافيا ) مثلًا ، فيما صار الدين عبارة عن وجهة نظر ثقافيّة ، تماماً كوجهة نظري في طريقة بناء الفراعنة للأهرامات ، وهذا شيء يختلف عن السابق تماماً ، وعلينا أن لا نسقطه على السياق التاريخي لما مضى ، فلم يكن الدين سابقاً وجهة نظر ، بل هو موقف اجتماعي سياسي انتمائي من الدرجة الأولى بحسب الأعراف والثقافات القائمة آنذاك بين الناس ، فلو فرضنا أنّ كلّ مسلم أو كلّ من يُسلم اليوم ينتمي فوراً إلى تنظيم سياسي جهادي إسلامي متطرّف متعصّب عدواني ، فإنّك ستجد أوروبا ستتخذ موقفاً مختلفاً تماماً من كل من يُسلم ؛ لأنّ الإسلام تحوّل إلى انتماء وهويّة لها نتائج سياسية واجتماعيّة حادّة ، وعندما لا يكون الأمر كذلك فسيبقى الإسلام وجهة نظر لا تتخذ منه الحكومات موقفاً . وبسبب النظرة العلمانية المخفِّفة لوهج الدين في الحياة في الغرب ، نلاحظ الفرق في شخص يغيّر عقيدته في بلادنا العربية والإسلامية كيف نشعر بأنّه خرج عن هويّته وخرج عن الجماعة وفكّك انتماءه ، بينما لا يظهر الأمر كذلك بهذه الدرجة لو غيّر شخص دينه في الغرب ؛ والسبب هو أنّ العقيدة الدينية في بلداننا ما زالت تمثل جوهر الهويّة الانتمائية للشخص ، بينما العقائد الدينية في بعض